حسن الأمين
200
مستدركات أعيان الشيعة
ولما وصل إلى « حسنآباد أتك » بعث برسولين أحدهما إلى السلطان العثماني والآخر إلى القيصر الروسي وحملهما إليهما هدايا نفيسة من الجواهر ، ليعلماهما بنبأ فتحه بلاد الهند . وتابع نادر سيره قاصدا « كابل » . واعترضه في طريقه ، في بعض الجبال وفي مضيق خيبر بعض طوائف الأفاغنة الشجعان بمقاومة شديدة أريق فيها كثير من الدماء ، فتغلب عليهم وقتل منهم كثيرا ، ثم صالحهم ، وانضم فريق منهم إلى جيشه . ووصل إلى « كابل » في غرة رمضان سنة 1152 ه ، فخرج إلى استقباله كل أعيانها ورؤساء قبائل الأفاغنة وجمهور كبير من سائر رجالها ، وأظهروا له كل مظاهر الإجلال والاحترام . وتجند في جيشه أكثر من أربعين ألف أفغاني من « بيشاور » و « كابل » و « هزاره » ونواحي أخرى وأرسلوا إلى « هرات » ينتظرونه فيها . إلا أن نادرا اضطر إلى تأديب أحد العصاة الأقوياء ، هو حاكم « المينداور » السند . فجهز حملة كلفته خسائر جسيمة في الأرواح والأموال بسبب البرد ووعورة الطريق ونهوض المقاومين إلى محاربته من كل جانب في طريقه ومنع الناس الأقوات عن جيشه . ولكنه استطاع أن يقهرهم حتى وصل إلى مقر العاصي فظفر به . ويرى « مينورسكي » ( 1 ) أن حملة نادر شاه هذه تعد من أروع أعمال حياته . وأسر نادر العاصي وقيده وحمله معه إلى أحد المنازل ثم عفا عنه ، إذ أنه أحسن السلوك حتى رضي عنه ، وأطلق سراحه ، بل إنه أعاده حاكما على قسم من ولايته التي كان واليا عليها ، وأخذ عليه عهدا بان يبعث إليه بمبلغ معين من المال وعدد من الجند واستبقى عنده اثنين من أبنائه رهينتين . ومن هناك سار قاصدا « نادرآباد » حيث استهل حملته على الهند ، فوصلها في السابع من صفر سنة 1153 ه ، بعد أن غاب عنها في تلك الحملة مدة سنتين . وفي العاشر من ربيع الأول سنة 1153 هدخل إلى « هرات » قادما من « نادرآباد » فمكث فيها ستة عشر يوما . غزو تركستان ثم سار إلى تركستان لتاديب المتمردين والأخذ بثارات سابقة . فلما ابتعد عن « هرات » مسافة أمر ببناء قلعة حصينة هناك . فقال له أحد رجاله : إذا كان الشاه يتسلط على كل إيران والهند وأفغانستان وكرجستان فما حاجته إلى قلعة حصينة ؟ ! فأجابه نادر : ألتزم الحيطة أن يخرج علي عدو من الداخل لأن العدو الداخلي أشد خطرا من العدو الخارجي . ولما وصل إلى نهر « جيحون » كانت السفن التي سبق أن أمر ببنائها جاهزة لنقل الجند . وبدأ ببخارى بمعركة انتهت إلى انتصاره على جيش ملكها فاستسلم إليه على نحو ما استسلم « محمد شاه » في الهند . فأحسن نادر معاملته وعفا عنه . ولما دخل بخارى خطب باسمه في المساجد وضرب النقد باسمه . ومنع نادر جنده من التعدي على الناس ونهبهم ، ورتب دوريات من الحرس للقيام على تنفيذ هذا الأمر . وهكذا أصبحت قواته تسيطر على إقليم ما وراء النهر كله ، من شرقي بخارى وشمالها الشرقي إلى « سمرقند » . ثم بعث بجيش إلى « سمرقند » لاخضاع إحدى الطوائف المتمردة . وأمر قائد هذا الجيش أن يذهب ، بعد إتمام مهمته ، إلى مشهد وأن يحمل معه إليها بلاطة قبر « تيمور » وأبواب مدرسة « سمرقند » المصنوعة من الشبهان . ولكن نادرا لما عاد ، بعد ذلك ، إلى مشهد ندم على نقل هذه الأشياء إليها ، وأمر بردها إلى « سمرقند » وإعادتها إلى أمكنتها التي كانت فيها . وأدخل في جيشه ثلاثين ألفا من الأزابكة وأمر عليهم أحد أقارب ملك بخارى . ثم خلع على الملك خلعة فاخرة ، وتوجه بيده ملكا على بخارى . غزو خوارزم وبعث نادر من بخارى بثلاثة رسل إلى والي خوارزم يستدعيه إليه ويطلب منه ترك الخصومة والانقياد إلى طاعته ، إذ كان هذا الوالي معاندا له شديد المراس . فلما أبلغ الرسل إليه رسالة نادر غضب وقتلهم . فلما علم نادر بقتلهم ذهب إلى مشهد . ومنها هيا جيشا سار به إلى خوارزم . وكان عليه أن يعبر جسرا على نهر « جيحون » عند « شير حاجي » . وكان والي خوارزم قد بادر إلى تهيئة جيش عظيم أرسله سريعا إلى موضع الجسر ليهدموه قبل وصول نادر إليه . ولكن نادرا أبدى يقظة وهمة عجيبين في إدراكه لخطتهم وسبقهم إلى الجسر ، فعبره قبل أن يصلوا إليه . وكانت القوات التي لاقته في بلاد خوارزم على درجة عظيمة من الشجاعة والكثرة والتهيؤ . ولكنه استطاع أن يهزمها في جميع المعارك التي خاضها بحسن تدبيره ودقته في اختيار الأماكن والحالات التي تصلح للحرب والتي لا تصلح لها . وقتل والي خوارزم ، ولكنه ، كعادته ، منع جنده من التعدي . وفي مدينة « خيوه » من ذلك الإقليم حرر من الأسر ما لا يقل عن عشرة آلاف خراساني كانوا أسرى فيها وفي غيرها من بلاد خوارزم ، وأحسن إليهم وزودهم بالمال والخيل والطعام ، وبعث بهم إلى خراسان ، وبنى لهم هناك مدينة في شمال « أبيورد » شبيهة بمدينة « دهلي » عرفت فيما بعد باسم « خيوه آباد » وأسر جماعة كبيرة من أهالي « خيوه » وبعث بهم معهم ليكونوا أرقاء في خدمتهم انتقاما لهم من آسر بهم . وحرر أيضا عشرة رجال من الروس كانوا أسرى هناك . ومنح كل واحد منهم حصانا وخمسين روبلا روسيا ليتمكنوا من العودة إلى بلادهم ، وجعلهم في رعاية روسي عهد إليه بمرافقتهم إلا بلادهم وأهلهم . وطلب إحضار جميع الأجانب الموجودين هناك فاحضروا ، وكان بينهم اثنان من الإنكليز كتبا بعد ذلك تفاصيل هذا اللقاء . وسال هؤلاء الأجانب من أعمالهم فأجابوا بأنهم تجار . فأبدى لهم كثيرا من العطف والبشاشة وقال لهم : لكم الحرية بان تتاجروا أينما شئتم من البلاد التي أحكمها . وإن مسكم أحد بضر وقصر رجالي في إنصافكم منه فارجعوا إلي مباشرة . العودة إلى خراسان ثم غادر « خيوه » قاصدا « مرو » في الرابع من شوال سنة 1153 ه . وفي « مرو » قام باعمال عنيفة قاسية . فعزل واليها وأقام آخر في مكانه ، وقتل جماعة من المعاندين ، منهم رئيس اسمه « رحيم خان » اشتهر عنه أنه يحرض
--> ( 1 ) فلاديمير مينورسكي مؤلف كتاب « تاريخ نادر شاه » . أقام عدة سنوات في إيران . وكان أستاذ الأدب الفارسي في جامعة لندن .